فخر الدين الرازي
730
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة القيامة ( 75 ) : آية 22 ] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) قال الليث : نضر اللون والشجر والورق ينضر نضرة ، والنضرة النعمة ، والناضر الناعم ، والنضر الحسن من كل شيء ، ومنه يقال للون إذا كان مشرقا : ناضر ، فيقال : أخضر ناضر ، وكذلك في جميع الألوان ، ومعناه الذي يكون له برق ، وكذلك يقال : شجر ناضر ، وروض ناضر . ومنه قوله عليه السلام : « نضر اللّه عبدا سمع مقالتي فوعاها » الحديث . أكثر الرواة رواه بالتخفيف ، وروى عكرمة عن الأصمعي فيه التشديد ، وألفاظ المفسرين مختلفة في تفسير الناضر ، ومعناها واحد قالوا : مسرورة ، ناعمة ، مضيئة ، مسفرة ، مشرقة بهجة . وقال الزجاج : نضرت بنعيم الجنة ، كما قال : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [ المطففين : 24 ] . [ سورة القيامة ( 75 ) : آية 23 ] إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) اعلم أن جمهور أهل السنة يتمسكون بهذه الآية في إثبات أن المؤمنين يرون اللّه تعالى يوم القيامة . أما المعتزلة فلهم هاهنا مقامان أحدهما : بيان أن ظاهره لا يدل على رؤية اللّه تعالى والثاني : بيان التأويل . أما المقام الأول : فقالوا : النظر المقرون بحرف إلى ليس اسما للرؤية ، بل لمقدمة الرؤية وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماس لرؤيته ، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة ، وكالإصغاء بالنسبة إلى السماع ، فكما أن نظر القلب مقدمة للمعرفة ، والإصغاء مقدمة للسماع ، فكذا نظر العين مقدمة للرؤية ، قالوا : والذي يدل على أن النظر ليس اسما للرؤية وجوه الأول : قوله تعالى : وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ الأعراف : 198 ] أثبت النظر حال عدم الرؤية ، فدل على أن النظر غير الرؤية والثاني : أن النظر يوصف بما لا توصف به الرؤية ، يقال : نظر إليه نظرا شزرا ، ونظر غضبان ، ونظر راض ، وكل ذلك لأجل أن حركة الحدقة تدل على هذه الأحوال ، ولا توصف الرؤية بشيء من ذلك ، فلا يقال : رآه شزرا ، ورآه رؤية غضبان ، أو رؤية راض الثالث : يقال : انظر إليه حتى تراه ، ونظرت إليه فرأيته ، وهذا يفيد كون الرؤية / غاية للنظر ، وذلك يوجب الفرق بين النظر والرؤية الرابع : يقال : دور فلان متناظرة ، أي متقابلة ، فمسمى النظر حاصل هاهنا ، ومسمى الرؤية غير حاصل الخامس : قوله الشاعر : وجوه ناظرات يوم بدر * إلى الرحمن تنتظر الخلاصا أثبت النظر المقرون بحرف إلى مع أن الرؤية ما كانت حاصلة السادس : احتج أبو علي الفارسي على أن النظر ليس عبارة عن الرؤية ، التي هي إدراك البصر ، بل هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو الجهة التي فيها الشيء الذي يراد رؤيته ، لقول الشاعر : فيا مي هل يجزي بكائي بمثله * مرارا وأنفاسي إليك الزوافر وأنى متى أشرف على الجانب الذي * به أنت من بين الجوانب ناظرا قال : فلو كان النظر عبارة عن الرؤية لما طلب الجزاء عليه ، لأن المحب لم يطلب الثواب على رؤية المحبوب ، فإن ذلك من أعظم مطالبه ، قال : ويدل على ذلك أيضا قول الآخر : ونظرة ذي شجن وامق * إذا ما الركائب جاوزن ميلا